أبي منصور الماتريدي

348

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يتناقض ، ولا قوة إلا باللّه . وأيضا ، أنه قد صيّر كل جوهر « 1 » بأحداث الآخر ؛ كأنه لم يكن قط ، ولا كان بقي له أثر ، ثم رده بالوصف الذي كان ؛ حتى لا يفوت منه شيء ، حتى لا سبيل إلى العلم بالتفصيل بينهما ؛ ليعلم أن قدرته على البعث ، بعد أن يفنى كل الأجزاء والآثار ، على ما كان ، ولا قوة إلا باللّه . وأيضا ، أنه إذ بنى الأمر على ما فيه من عظيم الحكمة ، وعجيب التدبير - لم يجز أن يكون فعله خارجا على العبث ، ثم في رفع المحنة ، وإبطال الرسالة في تعليم ما في ذلك من الحكمة ، وما يلزم بمكان ذلك التدبير من الشكر والمعرفة ، ثم من الترغيب فيما يملك من النعمة ، والترهيب عما عنده من النقمة - إبطال الحكمة ، وتقرير العالم مع ما ذكرت على العبث ، وذلك فاسد في العقول ، وموجود في الجواهر عظيم حكمة منشئها ، ثبت بذلك العبادة والرسالة والجزاء ، ولا قوة إلا باللّه . وقوله : تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ إلى آخره : يحتمل وجهين : يحتمل أن تؤتي ابتداء من غير أن كان آتاهم مرة ؛ وكذلك تنزع - أي تمنع - ابتداء من غير أن كان آتاهم ، ثم ينزع ؛ كقوله : رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ [ الرعد : 2 ] رفع ابتداء من غير أن كانت موضوعة فرفعها ؛ وكقوله : يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ البقرة : 257 ] إخراج الابتداء ، لا أن كانوا فيها ثم أخرجهم ، فعلى ذلك هذا ، وعلى ذلك قوله : تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ إيلاج ابتداء ، لا أن كان أحدهما في الآخر ؛ كقوله - تعالى - : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [ القصص : 71 ] و النَّهارَ سَرْمَداً [ القصص : 72 ] أخبر أنه لم يجعل واحدا منهما مؤبّدا ؛ وكذلك قوله : وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ إخراج ابتداء ؛ أن يخلق الحي من الميت

--> ( 1 ) لفظ الجوهر : يقال بالاشتراك اللفظي على معان أربعة : الأول : الموجود الغنى عن المحل والواجب - تعالى - جوهر بهذا المعنى . الثاني : الماهية التي إذا وجدت كانت لا في الموضوع ، وهذا المعنى يقتضى زيادة الوجود على الماهية ، وذهب ساجقليزاده إلى أن وجوده - تعالى - عين ذاته ، فلا يطلق الجوهر عليه ، وذهب إلى أن وجوده زائد فيتناوله . الثالث : القابل للصفة ، والحكماء اتفقوا على أنه - تعالى - ليس جوهرا بهذا المعنى بناء على استحالة قيام الصفات بذاته تعالى . الرابع : الشيء الذي تتعاقب عليه الصفات والحكماء اتفقوا على امتناع تعاقب الصفات على ذات الواجب . ينظر : حاشية نشر الطوالع ، للعلامة المرعشي ، الشهير بساجقليزاده ص ( 234 ، 235 ) .